Thursday, 25 June 2020

مراجعة ‏لكتاب ‏"في ‏الشعر ‏الجاهلي" ‏ ‏لطه ‏حسين

طه حسين: في الشعر الجاهلي
كان الصديق عدنان الشبول دائما ما يكرر ان شعر عنترة بن شداد سهل ولين، قريب إلى القلب مفهوم المعاني خالٍ من غريب اللفظ، وكنت اتسأل في نفسي لما ذاك؟ فعنترة من شعراء الجاهلي واللغة قد اختلفت؟ لم يخطر في نفسي يوما ان أشك في صحة نسبته إلى عنترة بن شداد، لكن كنت اتسأل ان كان عنترة بن شداد قد عاش فعلا وقال شعرا وقام بالمغامرات التي قام بها، ام هو مجرد شخصية خيالية من اختراع الحكواتية، مثل ابو زيد الهلالي والسفيرة عزيزة. 

قبل أيام وفي تصفحي لأحد المقالات وجدت إشارة لكتاب طه حسين : في الشعر الجاهلي، واثار فضولي ما ذكره الكاتب من الهجمة التي تبعت نشر الكتاب رغم تتبع طه حسين للمنهج الديكارتي في بحثه وكتابه. 

بدأت بمطالعة الكتاب قبل أيام، وهو متوفر على شبكة الإنترنت، والكتاب صغير الحجم يقع في أقل من مئتين صفحة وقد أتممت القراءة اليوم. 
بداية الكتاب كانت مبشرة، فطه حسين يتحدث عن منهج الشك الديكارتي الذي اتبعه للوصول للحقيقة، والساعي للحقيقة الذي لا يهمه شكلها ومكانها وما ستكشف عنه، لا شك سيسعده ان يجد ان ذلك هو المبتغى من هذا الكتاب. ولا شك، على الاقل قبل التعمق في القراءة، ان أغلب من هاجموا الكتاب إنما فعلوا لا تعصبا للحقيقة وإنما تمسكا بمعتقدات وأثار وآراء هي عندهم الحقيقة، بل هي أهم من الحقيقة. 

استعرض طه حسين في عجالة الشعر الجاهلي واللغة واللهجات، والحق ان طغيان اللغة العربية القرآنية على الشعر الجاهلي تثير الشكوك، فأين اللغات او اللهجات العربية التي كانت منتشرة في جزيرة العرب قبل الإسلام؟ ومما لا شك فيه ان اهل الحضر تختلف كلماتهم عن أهل البادية، وعرب اليمن لغتهم فيها فرق واضح عن لغة العرب في شمال الجزيرة. 

عندما طُبع الكتاب المقدس نسخة الملك جيمس، قدمت هذه النسخة اللغة الانجليزية لمنطقة وسط إنجلترا كلغة أصبحت هي اللغة، او اللهجة السائدة. فوجود الكتاب المقدس بهذه الطريقة وحدّ اللغات الانجليزية المحكية في لغة واحدة. 

القرآن الكريم كذلك وحد اللغة العربية في لغة واحدة، فأصبحت لغة قريش هي اللغة التي يتحدث بها العرب في كل الجزيرة، ومن ثم في كل بلاد الإسلام. وقد ذكر أهل الحديث روايات لاحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، نجد فيها تباين الللغة العربية، ذلك ان الرسول كان احيانا يتحدث الى بعض الناس بعربيتهم لا عربية قريش. فمثلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لَيْسَ مِنْ ‏امْبِرِّ ‏امْصِيَامُ فِي ‏امْسَفَرِ "، وهذه طريقة بعض اهل اليمن بقلب اللام ميم. 

وهذا ما ذكره طه حسين، ليس بنفس الطريقة ولكن نفس الفكرة. وأجد نفسي متفقا مع هذا الطرح وهو مما يجعل الشعر الجاهلي موضع الشك، فلغة قريش وعربية القرآن غالبة على عموم الشعر الجاهلي الموجود بين ايدينا الآن. 
للأسف الشديد ان طه حسين رغم استناده لهذا المنطق في نقد صحة الشعر الجاهلي، لكنه لم يتبع اسلوب علمي في ذلك. ظننت ان عالما بالادب واللغة مثله سيكون في امكانه سرد أمثلة على كلمات ومفردات ومعاني في قصائد منسوبة للشعر الجاهلي تخالف واقعهم حينذاك. وربما كنت اطمع ان أرى كلمات في قصيدة وتبيان ان اصل الكلمة قرشي وليس كناني (على سبيل المثال)، او اظهار تصوير او تشبيه ما عرفه اهل الجاهلية. لكن طه حسين اكتفى بوضع رأيه في هذا على أنه مرجع وفصل الخطاب. 

بعد ذلك بدأ طه حسين في سرد الأسباب التي اعتقد انها وراء انتحال الشعر الجاهلي، ولماذا فعل الشعراء والساسة والقصاص والرواة وعلماء اللغة ذلك. وقد اخذ هذا السرد غالب الكتاب، والاراء التي بيّنها كلها اوردها جازما ومقرا ان الشعر الجاهلي منحول، واستغربت من انعدام الشك الديكارتي الذي ذكره في المقدمة، بل خلوه من اي منهج علمي وانما هو رأي الدكتور طه حسين الشخصي. فهو قد قدّم للكتاب موضحا المنهج، وبعد استعمال المنهج بعشرين صفحة اصبح الشك يقين والرأي حقيقة مجردة، واسترسل طه حسين في شرح الأسباب التي أدت الى نظم القصائد ونسبتها - نحلها- الى شعراء الجاهلية. 

ان غالب الأسباب التي ذكرها طه حسين لها مكانها واصلها، وقد سبقه اليها أهل الحديث النبوي والذين اعتنوا بفرز الحديث الصحيح عن الموضوع، وقد بين بعضهم أسباب وضع الحديث وتلك غالبها نفس الأسباب التي سردها طه حسين. 

في اخر ٤٠ صفحة من الكتاب ابتدأ طه حسين بعرض بعض الشعراء وتبيين ما نُحل إليهم من الشعر- بحسب رأيه. وأعلم تماماً أنني لست خبيرا في الأدب العربي، ولكني اقول جازما ان ما أورده طه حسين لا يتجاوز رأي شخصي له. فهو لم يقبل القصص المحكية عن هؤلاء الشعراء، لأنها يعتقد أنها خيال محض، وهذا فيه صحة وخلط. وطه حسين تخبط بين القول بنفي وجود امرؤ القيس ومن ثم وجوده، ونفس القول شمل المهلهل وعمرو ابن كلثوم. ورأي طه حسين - وهذه شطحة مني- في الشعر رأي من لا يفهم الشعر، او لا يحبه، أو رأي من أراد أن يغلب قوله مهما كان. ولا تستغرب قولي هذا، فإنه قال عن شعر عمرو بن كلثوم مليء بالسخف والاسفاف! وأورد أمثلة على ذلك 
إذا بلغ الفطام لنا صبيا
تخر الجبابر له ساجدينا
يقول هذا سخف، بينما قال عنه كثيرون أنه أفخر بيت قالته العرب. ثم ساق طه حسين بيتا آخر بعده أخر:
ألا لا يجهلنّ أحدٌ علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فمدح القول برفض البدوي للضيم، لكنه اعتبر البيت ركيك وممل لتكرار الحروف. واما في رأيي فان هذا من ابلغ ما يمكن قوله في الشعر، ومن جميل ما قال المتنبي في هذا المقام ومتبعا نفس اللون البلاغي:
ﻭﻣﻦ ﺟﺎﻫﻞ ﺑﻲ ﻭﻫﻮ ﻳﺠﻬﻞ ﺟﻬﻠﻪ ... ﻭﻳﺠﻬﻞ ﻋﻠﻤﻲ ﺃﻧﻪ ﺑﻲ ﺟﺎﻫﻞ
وقد مرّ معي ان الجرجاني اورد في كتابه عن المتنبي مادحا تكرار اللفظ ما نصه: ﻭﻗﻠﺖ: ﻣﺎﺯﻟﻨﺎ ﻧﺘﻌﺠﺐ ﻣﻦ ﻗﻮﻝ ﻣﺴﻠﻢ ﺑﻦ اﻟﻮﻟﻴﺪ:
ﺳﻠﺖ ﻭﺳﻠﺖ ﺛﻢ ﺳﻞ ﺳﻠﻴﻠﻬﺎ ... ﻓﺄﺗﻰ ﺳﻠﻴﻞ ﺳﻠﻴﻠﻬﺎ ﻣﺴﻠﻮﻻ
ﺣﺘﻰ ﺟﺎء اﻟﻤﺘﻨﺒﻲ، ﻓﻤﻸ ﺩﻳﻮاﻧﻪ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﺠﻨﺲ، ﻓﺄﻧﺴﺎﻧﺎ ﺑﻴﺖ ﻣﺴﻠﻢ.

لكن أكثر ما أثار استغرابي هو رفضه لشعر عمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة معتبرا اياه ركيك وسخيف- لسلاسته، ومن ثم رفض شعر طرفة بن العبد لكونه صعب المراس لا يمكن قرأته دون الرجوع للمعجم مرات ومرات. وكيف استقام الحكم بالرفض هنا وهنا هو من اعجب ما قرأت!

أعلم أن طه حسين هُوجم بشراسة بعد نشره هذا الكتاب، ولم اطلع على اي من الكتب التي انتقدت هذا العمل، ولا أستطيع الحكم ان كانوا فعلوا انتصارا للشعر ام للحق ام لآرائهم. لكني لم أجد في الكتاب تحليلا منطقيا ولا شكا ديكارتيا، بل وجدت سردا لآراء شخص واحد، فيها الغث وفيها السمين. 

قد يبدو لوهلة أنني قد وقعت في نفس الخطأ الذي وقع فيه طه حسين، وهو الحكم بالرأي الشخصي بدل الدليل العلمي، وهذا صحيح مع فارق: فأنا هنا أقدم مراجعة ورأي شخصي في كتاب "في الشعر الجاهلي"، ولم أدعي أنني أقدم بحثا في صحة الشعر الجاهلي او كفاءة طه حسين. للأسف، لم يغير الكتاب قناعتي عن الشعر الجاهلي، وهو انه فيه الجيد والرديء وفيه الصحيح والمكذوب، وينبغي ان يُبحث هذا الموضوع (وربما قد حدث) بطريقة علمية تعتني باللغة كأساس ومنطلق للبحث. 

أحمد بكر 

Thursday, 18 June 2020

Death at intervals




Or Death with interruptions (I prefer this translation)
by Jose Saramago


The following day no one died. This is how the Nobel laureate opened this novel, a short shocking sentence that you would expect to be cheered, but there is a subtle message that makes you want to know more. This opening reminded me of Albert Camus' "The Stranger," which he opened with: Mother died today, or maybe yesterday. (There is a lot of debate on the right translation of this). Both novels are philosophical, death is the centre of events in the books, but unlike Camus' novel, Death is the main character in Saramago's. Announcing the death of someone is a sad act, announcing the death of nobody is weird—is this the end of death? Your feelings are perplexed and your mind is discombobulated. How should I feel and what should I think about that? I read the first page because someone I follow on Twitter posted it. I saw the opening line and immediately wanted to read more.

First it was a day without any deaths, then a week. Most people are happy and there is a sense of national pride growing (death stopped only in this imaginary country). Few are wary of the absence of death, mainly the Church and funeral directors. The weeks turned into months and still no one had died! People realised that adding days to their lives does not mean adding life to their days—life does not fill the gap vacated by death! Then death (Saramago presents death as a woman signing letters with "death" as a name but writing in lowercase!) started to try other things, including collecting all the lives of those who should have died over the past few months, all at once.

"Death created time so it could grow the things it wants to kill," said detective Cohle (Matthew McConaughey) in True Detective (series 2017). Here, death is not that evil. She is not enjoying "killing"; she is only doing her job. It is not an easy read. I won't be recommending such a book to anyone even if they are a keen reader. If you are not interested in philosophy, politics and writing, you will not pass the first chapter. To add to the complexity, the dialogue is not well-defined or spaced out—I mean in typing on the page—but rather sentences following each other. Each chapter is one paragraph extending over 20-30 pages, so even aesthetically it is not pleasing. The reasons I persevered and carried on reading are: I was intrigued to know how the abolition of death impacts society, how people lived through immortality and why this happened. I was also impressed by the way Saramago presented every tragic decision made by Death as a challenge and as an opportunity for the political system, the Church, the market and even the maphia (so called to distance themselves from the "mafia"), all while people are suffering. The last reason is simply because I read many books at the same time. I always read extracts of books or full books of poetry—it is easy to jump around. I have a book about history/economics/politics/philosophy going on, often an audiobook to accompany me on my walks and driving. And lastly I have a heavy slow book that challenges me. This time it was José Saramago and it was a good challenge. It is about 240 pages only, and it took me a few weeks to get through it. The book is a dark satire, trying to be funny but it is not (intentionally), because death is not a laughing matter. The thing that will stick with me is how unwanted immortality is, even for Ms Death herself. But the lesson that I took from this hard read is the idea that even when faced by the strangest and harshest acts of nature, some will always make a profit.

Ahmad Baker

Wednesday, 17 June 2020

The art of storytelling..


Griot, in West Africa, is a poet or storyteller who is in charge of keeping the oral history of the village. When a griot dies, it's like a library burnt down, they say.

I have finished reading Born A Crime by Trevor Noah and was mesmerised by the art of storytelling in it.

Trevor Noah is a mixed-race South African comedian. In apartheid South Africa, being born to a white father and a black woman meant a crime was committed. Noah tells stories of his life—funny, sad, and very humanistic. Most of these stories talk about the individual, but they represent a digest of the history of a country and its communities.

The book cover shows what looks like a poster of a smiling Trevor Noah with a black woman walking in front of this giant poster. Inside the book you are laughing with this man as you relive his adventures, and as his mother walks through those stories.



The first story in the book was about a 9-year-old boy, his baby brother and mum jumping out of a moving minibus. It sounds dangerous and exciting, but there is more to it. For us readers from around the world, it is hard to understand the history of a society, but you can understand a story and the context within it. Trevor's mum is Xhosa, a tribe in South Africa; he is mixed race, meaning the mother had a relationship with a white man; the bus driver was Zulu, a rival tribe. Now, there is the history of apartheid, the stereotyping of women in general and Xhosa women, the patriarchal society of the country, the poverty, and much more, all crammed into one simple and funny adventure of a 9-year-old boy. How you tell such a story, how you convey the message, is real art.

As each story moved on, I could easily predict where it was heading, see the ending from a mile away, yet I would still sit in my corner, captive to the storyteller as he goes on telling his story. The stories are so different but I can easily relate to them—weird and wonderful, alien and human, not about me, but they could be me, because he (the storyteller) made me part of the story. I was listening to Trevor's stories, painting the scenes in my mind, putting myself inside the story, watching and listening to the storyteller and to all the surroundings, the characters, the drama, and most importantly, the history.

I finished the book and was more informed about domestic violence, why poverty breeds poverty, why South Africa is struggling, and many more things. I learnt a lot from those stories—a lot about Trevor Noah and a lot about South Africa, also a lot about myself and humanity. Strangely, the main thing I learnt from this book is how to be a good storyteller, so your story is known, your suffering, history and what is holding your future come out to everyone while they are paying attention.

Ahmad Baker

Saturday, 13 June 2020

statues

Statues

I have mixed feelings about this, therefore I kept quite, listening and educating myself about the issue.
Today, I saw some videos of Neo Nazis in London "defending" Churchill's statue! Irony, stupid, ignorance, or what?

First, it's worth noting that statues, memorials, and monuments have been erected and taken down so many times in this country and everywhere. History, is just a way of perceiving the present. We, humans, continue to change our beliefs, values, ideologies and with that statues go up and down, heroes become villains, terrorists become national treasures, and freedom fighters become oppressors. They, the characters in the story (story here is history) are the same, their fights, struggles, achievements have not changed, but we see it in a different prism, we learn new things, we change.

In Parliament Square (and surroundings) stands Boudicca, a defeated and executed rebel. Not far Nelson Mandela statue was erected few years ago to celebrate his struggle against the state of South Africa, a strong British ally, who imprison Mandela on terrorism charges. Recently a new statue was erected for a woman, Millicent Fawcett, who during her active political life was not a national treasure and on the contrary was hated and vilified for advocating women's right to vote.

Erecting a new statue is much easier and less controversial than removing one, but we have removed many and always willing to change our views about people, removing a statue or changing a road name does not change history, it highlights our new understanding of history, our ever evolving present.

Some figures clearly have no place in modern Britain, we have concensus on how bad they were. The few generous gestures that some people benefited from cannot mask how horrible they were. Jimmy Savile was a great marathon runner, philanthropist and big supporter of the NHS, still that didn't and couldn't hide the terrible things that we learnt about him and his name will always be associated with the bad history we know off him.
On the other hand, we have figures that have done great things, but today we can see a darker side to those characters. Do we judge them by today's standards or their era's? Do we allow them to be perceived as heroes of the day or highlight their flaws?

I don't know, I have mixed feelings about that. The thing I am sure about is that we need to learn history properly. Not the history written by winners, not the history that glorified our mistakes, not the history that turned blind eye to our sins, we need to learn history properly. 
Then, we might have a better judgement on those figures, or at least we might be less biased and better equipped to make a judgement. 
More importantly, we will be able to understand ourselves and the suffering of others in a better way.

Ahmad Baker 

Sunday, 17 May 2020

العمل ‏الخيري ‏وبداية ‏الحضارة

بداية التحضر...
عندما سُئلت البروفيسورة مييد (عالمة انثروبولجي) عن أول علامات الحضارة الانسانية، وهل هي أدوات الصيد الحجرية، الزراعة ام الكتابة قالت: اكتشاف عظم فخذ انسان كان قد كُسر وشفي.
انكسار عظم الفخد في الحيوانات هو بداية لموت بطيء، فلا قدرة على الهرب من الحيوانات المفترسة، ولا قدرة على البحث عن طعام، يبقى الحيوان مكانه ويموت، إما جوعاً او كوليمة سهلة لأسد جائع.
وجود عظم فخذ بشري انكسر وإلتئم يعني ان هذا الإنسان وجد من يعتني به، يحميه ويغذيه إلى أن شفي. هذه العلامة هي (بالنسبة للبروفيسور مييد) هي علامة بداية التحضر والمدنية.
ان التكافل الاجتماعي هو أهم ركيزة في العلاقات لأي نجاح في اي مجتمع بشري، سواء كان لدينا القدرة على إرسال مركبات فضائية للمريخ أم كنا نعيش في السافانا، قدرتنا على العناية بالأضعف والأقل قدرة هي ما يجعلنا متحضرين.
الدين الإسلامي لم تتقصر تعاليمه على الروحانيات والإيمان فقط، ولو كان الأمر كذلك لما نازع عليّة القوم من قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم ولتركوه يدعوا لمن شاء. إن قواعد الدين من الحرص على الزكاة، الصدقة، المؤاخاة، تقسيم الثروة (كي لا يكون دُولةً بين الأغنياء منكم)، المساواة وأمثلة كثيرة، كلها تصب في إنشاء مجتمع متكافل، مجتمع مدني متحضر.
ان مبدأ الحرص على مصلحة الآخرين والإهتمام بشؤونهم، رغم ما يبدو عليه من سهولة، إلا أنه أصعب من الصبر على الطاعات او البعد عن المعاصي. ففي الطاعات والمعاصي المنفعة (عادةً) ما تكون ذاتية، والإنسان بطبعه يحب نفسه ويؤثرها، والإنسان - أيّاً كان- فقدرته على التأثير على نفسه وتحمّل شهواتها وانحرافاتها وقيادتها للخير، أسهل أضعاف مضاعفة من القدرة على التأثير على الآخرين وإحتمال اذاهم وتقديم حاجاتهم واحتياجتهم على نفسه. 

وخدة المجتمع من خلال العمل التطوعي وليس فقط التبرع المالي في ظني من ارفع درجات الرقي والتحضر، وكلما زاد تنوع العمل المجتمعي كان المجتمع افضل وأرقى. ومما لا شك فيه ان العمل المجتمعي يحمل في طياته الكثير من الأعباء والمشقات. عن النبي ﷺ أنه قال: من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. وما عظم هذا الأجر إلا دليل عظم المشقة في مثل هذا العمل. 
وفي بشريتنا ما ينبأنا يقيناً أننا لا بد سنخطئ، وحسن النية والقصد لا يعني التبرئة من الخطأ، لكن ذلك يشفع لذاك. ولأننا مدنيون ومتحضرون فإننا نعلم ان التفرد بالرأي والقرار هو أول وأخطر مؤشرات الفشل لأي عمل مجتمعي. فأعان الله من أراد أن يساهم في الحضارة البشرية، وعليه ان يعرف ان هذا العمل، رغم عظمه واهميته وفوائده الجمة، إلا أنه الأكثر عرضة للنقد والتسخيف والاتهامات...

أحمد بكر 

قراءة ‏التا ‏يخ ‏

قراءة القرآن وقراءة التاريخ
أحمد بكر 

(هذه الخاطرة منبعها فكرة طرحها د علي الوردي في الفصل ١٢ من كتابه مهزلة العقل البشري)

يقول الوردي انه وخلال دراسته في الصفوف الأساسية كانت حصة التاريخ مثيرة ومحببة للتلاميذ، وحصة القرآن ثقيلة ومملة. وهذا بسبب ان التاريخ الذي ندرسه يحكي عن الأمجاد والانتصارات فقط، حتى حين يتحدث عن الفراعنة يخبرنا عن الأهرامات وما شيدوه من حضارة، بعكس القرآن الذي يتحدث عن الضعفاء ومواجهتهم للجبابرة، وعند الحديث عن الفراعنة يشير رمزا الى ما شيدوه من آثار ويستفيض شرحا عن الظلم الذي كانوا يكيلونه للشعوب.

للأسف الشديد ان غالب اطلاعنا على التاريخ هو اطلاع على تاريخ الملوك والدول، وأفضل مثال على ذلك هو كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي، الذي سرد فيه تاريخ الإسلام من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عهده (القرن الخامس عشر) وذلك من خلال تسمية الخلفاء، وسرد ما جرى في عهد كل منهم. ولكن الغائب عن هذا التاريخ هم الشعوب الذين عاصروا أولئك الخلفاء، فهؤلاء قصص جانبية وجملة او اثنتين في السيرة لذاك الخليفة، واما كيف كانت حياتهم وسخطهم وثوراتهم على حكامهم فهذا غالباً لا يذكر إلا إذا قتلت الثورة الخليفة او خلعته.

والقرآن ذكر لنا قصص الأنبياء والدعاة إلى الله، وبإستثناء الذي حآج إبراهيم ،والملك في قصة يوسف وفرعون في قصة موسى لم يك هناك ذكر للحكام ولو بالإشارة (داوود وسليمان استثناء آخر لانهم هم أهل الملك)، وانما ابطال هذه القصص هم الشعوب وانبيائهم الذين ثاروا ضد الضلال والظلم والاضطهاد والفساد.
ورغم ان غالب قصص القرآن اظهرت تعالي الظلم والظُلّام ورفضهم لقبول الحق وانكسار الحق أمام الباطل، إلا أن الدعاة والوعاظ يَرْوّنَ هذه القصص ليقولوا لنا ان النصر دائما معنا نحن أهل الحق، أهل الثورة على الضلال و الظلم. ونعلم يقينا ان هذا حدث مع عاد وثمود وأصحاب الأيكة، فقد كفروا واستبدوا وتجبروا ولم ينجح النبي ومن آمن معه بتغيير الأمور، ولذلك انزل الله عذاب الله عليهم والمعجزة الإلهية انتصرت، لا الحركة البشرية. اما إبراهيم فقد ترك بلده وهاجر، وموسى اخذ قومه وهاجر، والرجل الداعية في سورة ياسين قُتل، وهكذا دواليك. 

ولربما أكثر القصص تمثيلا لهذا المبدأ ،واقلّها حظاً من دروس الوعاظ هي قصة أصحاب الأخدود (تطرق سيد قطب لهذا في كتابه معالم على الطريق)، فهؤلاء قومٌ آمنوا بالله وثاروا على الاضطهاد والظلم، فكان عاقبة هذه الثورة هي موت كل من شارك فيها بالحرق في الأخدود. والقرآن ذكر القصة وذكر معانتهم ولم يتطرق ولو رمزا الى الطاغية الذي أمر بحرقهم (الآيات التي تلت تتحدث بالمطلق والعموم وليس خصا)، وإنما ذكرت سبب حنقهم وحقدهم على هؤلاء المؤمنين، لتدعم قضيتهم وتعيد التأكيد أنهم هم - المؤمنون الثائرون- من يستحقون الخلود في الذكرى . 

لكننا، ومما تعودنا عليه من حبنا للنهايات السعيدة نجد ان القصص تروى دائماً لتقول لنا: انتصرنا. والتاريخ يحكي فقط عن المنتصرين والفاتحين، لا عن الشعوب المقهورة التي رزخت تحت حكم ذلك المنتصر المؤيد. طبعاً هناك استثناءات في كتب التاريخ عما قلت، وهذه الاستثناءات هي القاعدة، فالكتب تزخر بالقصص والحكايا عن الخروج على الحاكم والقتل والتنكيل والبذخ للحكام مع ما كان يقابله من المجاعة والفقر المدقع الذي تحتملته الشعوب، لكننا اخترنا ان نتذكر ونذاكر ونسرد الماضي والتاريخ على أنه انتصار فلان وعدله وفتوحاته، وتجاهلنا عن قصد، او عن قصور، او عن طبيعة بشرية، تجاهلنا الشعوب التي جعلت ذلك ممكنا.

اليوم نحن، انا وانت ،هم الشعوب التي ستعيش على الهامش في صفحات التاريخ الذي يحدث اليوم، وكل ما قدمناه وحاولناه وانجزناه او ساهمنا به، ليكون الحاضر ممكنا، سيصبح في طي صفحات الماضي ولن يعرفنا أحد، بل سيذكررون هؤلاء الحكام فقط . وستكون حصص التاريخ للاحفاد في المستقبل مثيرة وممتعة حين لا تذكر شيء عنّا. 





على الهامش- من الطريف ان يلتقي علي الوردي مع سيد قطب في الخاطرة، وهما من نفس الحقبة الزمنية لكن على النقيض فكرياً.



 

Wednesday, 13 May 2020

On being a nurse


Very very short stories, based on true events 🙂

1999, 4am
Me:I need to check on bed9, I don't think he's tolerating the Morphine well.
Minutes later, I am giving him IV Naloxone.
Hours later, bed9 is sitting in his bed, enjoying breakfast and morning sunshine.



2001
Me: Mrs X, good to see you, this is my student!
Mrs X talking to the student with a cheeky smile: did he tell you that he broke my rib?
Me: do you care to tell her why?
Mrs X: admittingly, it was when he started cpr saving my life
(she did have some broken ribs after the cpr, but I'm not sure if it was me;)



2003, Ramadan 1pm.
Mr X: that was a very nice roast, i really enjoyed
Me: I am glad you did
Mr X: and thank you for the Intelligent discussion
Me: thank you



2006 10pm
Mr X: Ahmad, really sorry about last night. My wife told me that I was very rude and racist to you
Me: I am glad to see you better, it wasn't you, you were confused
Mr X: did I also hit you with my walking stick?
Me: you tried, but I'm very agile.



2013
My colleague : I like the response you wrote to the consultation!
Me: also wrote to chief executive about the safety in the children's ward.



2016
Me: what you did was excellent and outstanding
Nurse X, with eyes full of tears, but after all that the patient died
Me: death is not necessarily a failure, its the natural end of life. You gave him all the care and dignity he needed at his last moments..


2019 8pm
She is on the other side of the wall standing on the ledge: I just want to die
Me, standing on one side of the wall holding tight onto her: no, you will not


1997-2020 many, many times
Me: I am very sorry for your loss



2020,
My son standing on the front door : anything interesting happened at work today?
Me: there's always something interesting happening if you are a nurse!


Ahmad Baker

Monday, 2 March 2020

الجهل

انت جاهل، فهل انت سعيد؟ 

 في نفق مظلم، انت تعرف انك لست وحدك لكنك لا ترى سوى ظلام دامس. انت تعلم انك لست وحدك لكنك لا تسمع إلا الصمت. ثم يبزغ نورٌ ضعيفٌ، ترى مصدره، تشعرُ وقعه، تتبع اثره لتكتشف انك حتى لحظات كنت اعمى، كنت أصم، وكنت مكبّل. تقف مذهولا بنعمة البصر، تنظر حولك فتجد ملايين من البشر، مكبلين في قيود وهمية، تعرف انها وهم لأنك كنت قادر على كسرها قبل لحظات. ساكنون هادئون، صمٌ، بكمٌ لا يبصرون.

 تجتهد لتأخذ بأيديهم نحو الضوء، ليفتحوا اعينهم، ليولدوا، ليحيوا بنعيم الضوء والحركة. لكنك تجد انهم اميل لراحة السكون من تعب الحركة، هدوء الصمم خير من ازعاج الفكرة، عتم العمى اسلم وآمن من بصيص النور.
متعباً ومجهداً تتلفت حولك، تعود إلى النور، إلى الحركة، الى حرية المكان، فتجد انك كنت واهم، فذلك الضوء لم يكن حقيقة، بل خدعة بصرية ابصرتها فقط لأنك فتحت عينيك، لأنك اخترت ان ترى، اما من حافظ على اغلاقهما فقد سَلِم، لم يُخدع.
 الآن انت لا تستطيع اغلاق عينيك لأنك قد ذقت طعم الابصار، سمعت صوت الحياة فلا تقدر ان تتظاهر بالصمم، نَعِمْتَ بالحركة فلا تجيد السكون. 
لكنك، لست على شيء، لا حقيقةً وجدت ولا معرفةً اكتشفت، وأولئك الملايين من حولك، في سكونهم وعماهم وصممهم، جاهلون، وجهلهم راحة، والراحة يقين. 

الآن انت في شك، فهل انت سعيد؟